أحمد الشرباصي

140

موسوعة اخلاق القرآن

فكأن في داخله ميزانا دقيقا عميقا ، يتأثر بما يمر عليه أو يصل إليه ، فإذا هو يتذكر جمال الفضائل ويسعى إليها . ويتذكر قبح الرذائل وينفر منها ، وإذا حاول الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس أن يدخل على الإنسان بخديعة أو تغرير ، ليضله عن السواء السبيل ، أو ليشغله عن واجباته الدينية والدنيوية تنبه وتيقظ وتذكر ، فإذا التذكر يصده عن الخطأ ، ويصونه عن الانحراف ، ويثبته على طريق الاستقامة ، وكأن هذا التذكر قد صار ناقوس تحذير مستمر ، فهو شبيه بالساعة الإلهية الدقاقة في صدر الانسان ، وهي « القلب » لا تزال دقاتها تشعر صاحبها بأنه من الأحياء . ولقد حدثنا ربنا جل جلاله بأن وظيفة القرآن الكريم في الوجود هي إحياء التذكر في النفوس حتى تعقل وتؤمن وتعمل وتستقيم وتلتزم الخير وتجتنب الشر فقال في سورة ص : « كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ » . وقال في سورة الأنعام : « وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ » . وقال في سورة الإسراء : « وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا » . وقال في سورة طه : « وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً » . وقال في سورة الدخان : « فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » . وقال في سورة طه : « طه ، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى » . وقال في سورة الحاقة : « وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ » . والتذكرة هي ما يتذكر به الانسان الشيء المنسيّ ، أو يستديم به تذكر الشيء المذكور المستحق لدوام تذكره ، فيكون من المتجملين بفضيلة التذكر ، ويكون قد استجاب لنداء الحق المكرر في سورة القمر : « وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ » ؟ ! * والقرآن المجيد يحدثنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن وظيفته هي التذكير المحقق للتذكر عند كل مستجيب مؤمن ، فيقول اللّه جل جلاله لرسوله في سورة الطور : « فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ » ، ويقول في سورة الغاشية : « فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ » .